أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

215

التوحيد

كل مختار في الفعل موصوف بالإرادة ، ولا يجوز أن يقال : هو مأمور ؛ لإحالة وصف اللّه به ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال في قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ التكوير : 29 ] إن الاستقامة كانت بها ، وذلك فاسد ؛ لأن اللّه قد شاء ، فلا يكون ، فلا يجوز فيما يكون بها إلا على قولنا إنها تكون لا محالة إذا شاء اللّه . ثم قال : أتريد اللّه أن يشتم ؟ وقد أخطأ في السؤال ، بل حقه أن يقال : أتريد اللّه أن يكون فعل الشتم ممن يشتمه قبيحا مسخوطا ؟ ثم قال : معاذ اللّه ؛ لأنه نهى عنه وغضب عليه ، ولا يفعل الحكيم ذلك . قال الشيخ رحمه اللّه : قيل : أحكيم لا يشاء ذلك مما لو كان الذي شاء يصير كاذبا سفيها ؟ فإن قال : نعم ، بان جهله بالحكيم ، وإن قال : لا ، ألزم القول بالمشيئة ؛ إذ في فوت ذلك كذبه وسفهه ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن النهي ليس من الوجه الذي ذكرنا وكذلك الغضب ، وهذا النوع مما قد ذكرنا منه الكافي في باب خلق الأفعال . وبعد ، فإنه إذا أراد لما علم أن يختار هو عداوته أن يكون منه عدوّا ليزول معنى الضعف ويظهر الغنى عنه وعن فعله كما قال : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : 6 ] ، على أنه يزعم أن معنى الإرادة أن لا يغلب ، وقد وجد في هذا ، فليقل ما شاء فهو له في الأول جواب . وأما جوابه بالمحبة والرضا فإنه لا يجوز أن يقال : إن اللّه يحب إبليس ويرضى به وكذلك الخبائث والأقذار ، وإن كان أراد كونهم ، فمثله فعل الكفر وكذا كل قبائح الصور والجواهر ، واللّه أعلم . وأجاب لما عورض من الزيادة في ملكه ما لا يريده بالرضا والمحبة ، وقد بيّنا التفريق في ذلك بما هو فعله . ثم قال : إذا قدر على المنع فلم يمنع ، فليس بممنوع ، فيقال له : لو قدر وهو لا يريده ليمنع ، فدلّ كونه بلا إرادة أنه لم يقدر ، ومما يبين ذلك أنه لو قهرهم على الإسلام لم يكونوا مسلمين قهرا ، يبيّن أنه لم يكن يقدر على ذلك ، وذلك حق الغلبة والقهر في الشاهد ، ولا قوة إلّا باللّه . وعارض بتركهم ، فيقال : ليس في الترك خلاف له في الإرادة فيلحق ما ذكرنا من الزيادة في ملكه ما لا يريده ، وباللّه التوفيق . وعارض بمثله في الشاهد ، وهو خطأ لوجهين : أحدهما أن ملكنا لا يقدر على المنع ، وإلا كان يمنع عن كل شيء لم يرده ، والثاني أن ذلك ليس في ملكه ولا سلطانه ؛ لما ليس لملك الأرض على أفعال غيره ملك ولا سلطان ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض نفسه بما يعقب خروج الشيء عن علمه جهلا ، لم لا أوجب خروجه